27 سبتمبر 2026 - 09:26
السعودية تدخل دائرة الإنهاك البطيء..تمدد خارطة الردع اليمني والرياض في مرمى الصواريخ والمسيّرات

لا شك بأن اتجاه القوات المسلحة لهذا التطور بقصف العمق السعودي عبر ضرب الرياض وأرامكو ينبع يفرض على السلطات في الرياض النظر إلى هذه العمليات بوعي ومسؤولية، والتوقف لإجراء مراجعة شاملة لرؤيتها وحساباتها من حملة العدوان العبثية التي تنفذها ضد الشعب اليمني.

وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ـ مع تصاعد التطورات الميدانية وتتابع البيانات العسكرية للقوات المسلحة، والتي كان أحدثها تنفيذ عملية استباقية واسعة بعشرات الصواريخ الباليستية والمسيّرات، استهدفت غرف العمليات والقيادة والسيطرة ومخازن الأسلحة ومواقع الفرقة السادسة طوارئ في الطوال، ومنصات الإطلاق في معسكر الدغارير ومواقع أخرى بجيزان، بالتوازي مع ضرب أهداف حساسة في عاصمة العدو "الرياض" وشركة أرامكو في "ينبع"، تدخل السعودية مربع الإنهاك البطيء، ويجعلها ذلك أمام استحقاقات ميدانية واقتصادية وسياسية بالغة التعقيد، في وقت تتآكل أمامها خيارات المناورة، وتتراجع فاعلية مظلات الحماية الدولية والإقليمية. 

وهذا الاستخلاص يتفق عليه كثير من المراقبين على المستوى الدولي، فيما تحاول الرياض امتصاص تأثيرات هذا الواقع، في مقابل ألا تضطر للتسليم بأنها قد خسرت المعركة. وبالتوازي تستمر تصاعدياً في السلوك العدواني، وشن الغارات اليومية التي بلغت منذ بدء التصعيد حتى السبت 1059 غارة جوية عبر طائرات F15 وتايفون، وصاروخية، استهدفت محافظات مأرب، صعدة، الحديدة، تعز، الجوف، والبيضاء، وخلّفت شهداء وجرحى بينهم نساء وأطفال، وأضراراً بالغة في البنية التحتية المدنية.

غير أن هذا التكتيك يبدو بلا أفق لنهاية تأتي وفق الحسابات السعودية الأمريكية، ومردّ ذلك مرونة التعامل الميداني والتطور العملياتي للجانب الوطني، والذي تمكن من امتصاص تلك الضربات وتحويلها إلى دافع أكبر لاختبار القدرات ومنظومات الردع ذات المديات الواسعة والدقة العالية. 

وعلى هذا لم تعد المعادلة تُقرأ من خلال مدى الأضرار الناجمة عن الغارات الجوية على المحافظات اليمنية، وإنما بالقدرة على إحداث الفارق الملموس في تبديد التأثير والوصول في الضربة المعاكسة والهجمات المرتدة إلى المنشآت الحيوية والتجمعات العسكرية التي تمثل عصب الدولة السعودية.

شلل عملياتي وانكشاف ميداني
تؤكد استمرارية القوات المسلحة على تنفيذ الضربات الاستباقية ضد تحشيدات الرياض سيطرةً تامة على الموقف، تتجاوز الرد على غارات العدو السعودي المستمرة على المحافظات اليمنية، لتأخذ موقعها كتكتيك يهدف إلى تفكيك وشل قدرته على التحشيد أو إعادة بناء خطوط الهجوم، وفرض حالة من الانكشاف الميداني الشامل.

في هذا السياق، جاءت ضربة الطوال ومعسكر الدغارير بأبعاد عسكرية عميقة ترسم ملامح الفصل القادم؛ فالضربة الحساسة التي استهدفت مراكز القيادة والسيطرة وغرف العمليات ومخازن الأسلحة والتجمعات العسكرية عبر هجمات مركبة تجمع بين الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والتي أسفرت عن مصرع وإصابة المئات من تحشيدات العدو من يمنيين وسودانيين مع العشرات من الضباط والأفراد السعوديين، وتدمير وإحراق عدد من مخازن الأسلحة، لا شك بأنها تحشر قواته في حالة من الارتباك، وتُعقّد عليها تنفيذ أي مخططات هجومية أو حتى الحفاظ على تماسكها الدفاعي.

وهذا الشلل العملياتي يجعل خطوط العدو الدفاعية الأولى مكشوفة أمام ضربات أشد إيلاماً، ويحول التواجد العسكري في تلك المناطق من ورقة ضغط إلى عبء لوجستي وأمني متزايد.

ووفق القواعد العسكرية، فإن استمرار القصف الجوي على البنية التحتية والمناطق المدنية في اليمن يفقد قيمته العسكرية تماماً عندما يرتد بصورة ضربات مسددة تطال شريان الاقتصاد السعودي ومراكز صنع القرار، كما تثبِّت معادلة فرض الإرباك على تفاصيل المشهد السعودي، وفرض معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد حتى وقف العدوان ورفع الحصار.

استهداف العمق وتهاوي الرهان
كما لا شك بأن اتجاه القوات المسلحة لهذا التطور بقصف العمق السعودي عبر ضرب الرياض وأرامكو ينبع يفرض على السلطات في الرياض النظر إلى هذه العمليات بوعي ومسؤولية، والتوقف لإجراء مراجعة شاملة لرؤيتها وحساباتها من حملة العدوان العبثية التي تنفذها ضد الشعب اليمني. فطموح بناء نموذج اقتصادي جديد يقوم على جذب الاستثمارات وتحويل المنطقة إلى مركز عالمي للتجارة والسياحة، لا يستقيم مع واقع أمني هش تتطاير فيه الصواريخ الباليستية والمسيّرات فوق عاصمة الدولة ومرافقها النفطية والملاحية، ما يفرض عليها العمل باستحقاقات تهيئة البيئة للسير في هذا الطموح الذي يتطلب قبل كل شيء استقراراً وأماناً مستدامين، فأي اهتزاز يعني دفع رأس المال الأجنبي إلى التردد أو الهروب، ما يضع المشاريع التنموية الكبرى في مواجهة معضلة وجودية.

وإلى ذلك يبرز الحصار الملاحي الذي تفرضه القوات المسلحة اليمنية كعنصر حاسم في هذه المواجهة، مع عجز تام عن وضع نهاية له. وقد أثبتت التطورات بتمدد خارطة الحظر أن مظلة التحالفات العسكرية والضربات الجوية المرافقة لها لا تستطيع حماية الممرات المائية أو تأمين حركة الإمدادات ما لم تُعالج الجذور المباشرة للحرب. فضلاً عن أن هذا العجز الدولي عن حماية السفن الشريكة أو المرتبطة بالسعودية يرسل رسالة واضحة للرياض مفادها أن الاتكال على الحماية الخارجية لم يعد يجدي نفعاً. زد على ذلك، أن هذا الإخفاق الدولي يترك السعودية في حالة انكفاء استراتيجي، بعد أن أدرك الشركاء التقليديون حجم الأكلاف الباهظة للانخراط المباشر في مواجهة اليمن، وفضلوا النأي بأنفسهم عن حرب مفتوحة لا تقدم أفقاً عسكرياً مضموناً، خصوصاً وأن تجربة المعركة منحت اليمن التميز ورجّحت كفته في مواجهة القوى الاستعمارية التي تصر على إبقاء المنطقة في حالة توتر مستدام بسبب مطامعها المستمرة.

مأزق سياسي ولا ثقل تفاوضي
هذه المعطيات الميدانية وهي تخيم بتأثيراتها، لا شك بأنها تحشر القيادة السعودية في مأزق سياسي واقتصادي حاد؛ فالرهان على عامل الوقت لامتصاص الصدمات إنما يعمق المأزق، ويمنح القوات المسلحة اليمنية مساحة أكبر لتثبيت قواعد اشتباك أشد إيلاماً، ولتطوير مدى وفاعلية أسلحتها. وهو ما لا ينفع معه استمرار القصف الجوي اليومي على المنشآت والمدنيين في اليمن، والذي لا يوفر أي مكسب ميداني للرياض بقدر ما يمنح العمليات العسكرية اليمنية مشروعية واضحة وزخماً متزايداً لتوسيع نطاق الاستهداف ليطال المشاريع الحيوية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي والتفاوضي، يتجلى هذا المأزق في تضارب الخيارات المتاحة أمام صناع القرار في الرياض. فمن جهة، يدرك المسؤولون أن الاستمرار في الحرب يفرض نزيفاً مستمراً للاقتصاد والأمن القومي، بينما من جهة ثانية يتطلب الخروج منها تقديم تنازلات جوهرية تتصل بوقف العدوان ورفع الحصار وإعادة الإعمار والتعويضات. وهذا التردد في اتخاذ القرار السياسي الحاسم يعني استبسالاً يمنياً لفرض الواقع عبر الميدان، ما يجعل القيمة التفاوضية للرياض تتراجع مع كل ضربة جديدة تستهدف عمقها.

كما أن ما لا يجب أن يغيب عن الحسابات، انطلاقاً من مجريات الأحداث، أن الحضور اليمني قد تحول إلى عنصر صانع للواقع السيادي والأمني في المنطقة. وامتلاك زمام المبادرة الميدانية وتطبيق معادلة "التصعيد بالتصعيد" يؤكد أن معادلات الردع القديمة قد انتهت إلى غير رجعة، وأن الحديث عن استقرار في الممرات المائية أو أمان للمنشآت الاقتصادية في العمق السعودي بات مُطالَباً بالإقرار الصريح بالتوازنات الجديدة.

فرض معادلة الردع الشاملة
تطرفّت السعودية في التزامها بالمفاهيم التقليدية للمواجهات وشن الحروب، فاعتمدت على امتلاك الأسلحة النوعية وذات الكلفة العالية، إلا أن ذلك ثبت عجزه أمام الاستراتيجيات غير التقليدية التي تستند إلى الإرادة والتكيف الميداني والسيطرة الجغرافية. وهو الذي يبلغ ذروته اليوم وبات يحاصر السعودية بضغوط الانكشاف والمخاطر التي تهدد مستقبلها، ما يوجب عليها الانتقال من عقيدة الإملاء إلى عقيدة الاعتراف بالعجز عن تغيير الواقع، والبحث عن حلول جذرية تضمن مصالح الجميع على قاعدة المساواة والسيادة.

في تحليلاتهم يؤكد المراقبون أن العمليات العسكرية اليمنية المتوالية، بما في ذلك فرض الحصار على الملاحة السعودية، تثبت أن القدرة على صناعة الأثر وتوجيه الضربات في الزمان والمكان المناسبين باتت هي الحاكم الفعلي لمسار هذه المواجهة، وأن الرهان على التغطية الدولية أو التفوق الجوي المجرد لم يعد كافياً لحماية المصالح الاستراتيجية أمام إرادة ميدانية تملك الرؤية والقدرة على الفرض والتنفيذ.

فيما يفرض التحول الجاري في طبيعة المعركة حقيقة أن الحصار الملاحي وضرب المفاصل الحيوية في العمق وقصف مراكز القيادة والتحشيدات على الحدود باتت تشكل اليوم -مجتمعةً- أركان معادلة ردع يمنية متكاملة، ولن يكون بمقدور أي قوة إقليمية أو دولية تجريد اليمن من هذه الأوراق إلا عبر ما حدده هو، والمتمثل بتلبية كل متطلبات الاستقرار الحقيقي: إنهاء العدوان، رفع الحصار كلياً، والاعتراف بالحضور اليمني المؤثر كفاعل أساسي في صياغة أمن المنطقة واستقرارها.

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha